تحول جذري في استثمارات المصريين.. الحرب تحول الوجهة إلى الملاذات الآمنة

استثمارات المصريين
استثمارات المصريين

مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، وخاصة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران واستمرار اضطرابات البحر الأحمر، شهدت تفضيلات المصريين الاستثمارية تغيراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين، ولم تعد الأمور كما كانت قبل 2023، حين كان العقار والودائع البنكية يسيطران على خيارات المدخرين.

واليوم يبحث المصريون عن "الأمان" أولاً، ثم العائد، وهذا التحول لم يأت من فراغ، بل نتيجة مباشرة لضغوط التضخم، تقلبات سعر الصرف، وتراجع إيرادات قناة السويس التي كانت تمثل شريان حياة للاقتصاد.

وفي هذا التقرير، من سمارت فاينانس، نستعرض كيف غيرت الحرب تفضيلات المصريين الاستثمارية؟.

من الاستقرار إلى حالة القلق الدائم

وبدأت الأزمة فعلياً مع حرب غزة في أكتوبر 2023، ثم تفاقمت مع هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، ووصلت ذروتها مع التصعيد الأخير في مارس 2026، بالحرب بين إيران من طرف والولايات المتحدة وإسرائيل من طرف أخر.

وإيرادات قناة السويس انخفضت بنسبة تصل إلى 60% في بعض الفترات، وفقدت مصر مليارات الدولارات، وهذا التراجع أدى إلى ضغط على الاحتياطي النقدي، ودفع التضخم للارتفاع مرة أخرى رغم جهود البنك المركزي في خفض الفائدة.

وفي مثل هذه الظروف، يتجنب المستثمرون المصريون – سواء الأفراد أو العائلات – الأصول عالية المخاطر
وخرجت الأموال الساخنة (الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين) بأكثر من 4 مليارات دولار في فترات التوتر، مما زاد الضغط على الجنيه.

أما المواطن العادي، فبدأ يسأل نفسه: "أين أحفظ مدخراتي حتى لا تتبخر مع أي صدمة جديدة؟".

الذهب النجم الأول في تفضيلات 2026

ولم يعد الذهب مجرد "زينة" أو هدية عيد، بل أصبح الخيار الأول لأكثر من 47% من المستثمرين والخبراء الذين شملهم استطلاعات حديثة.

وفي الأسابيع الأولى من مارس 2026، ارتفع سعر الجرام المحلي بقوة مع كل خبر عن تصعيد عسكري، والسبب بسيط: الذهب "ملاذ آمن" تقليدي في أوقات الحروب، يحافظ على قيمته حتى لو ارتفع الدولار أو انخفض الجنيه.

وخبراء مثل رائد الأعمال محمد أبو النجا يؤكدون أن "الذهب سيظل واحداً من أفضل الأدوات الاستثمارية في 2026 طالما استمرت الصراعات".

وعوائده المتوقعة تتراوح بين 25-30% حسب بعض التحليلات، خاصة مع احتمال عودة الطباعة النقدية الأمريكية بسبب الديون العالمية، وحتى المستثمرون الصغار بدأوا يشترون السبائك أو الجنيهات الذهبية من محلات الصاغة، مفضلينها على الشهادات البنكية التي خفض البنك المركزي عائدها مرات متتالية (آخرها 1% في فبراير 2026).

الاستثمار في الذهب
الاستثمار في الذهب

البورصة فرصة للجريئين رغم الخسائر الأولية

ولم تكن البورصة بعيدة عن الاهتمام، ففي أول أيام التصعيد مع إيران، انخفض مؤشر EGX30 بنحو 5% ثم تعافى جزئياً بفضل شراء المصريين المحليين.

والخبراء يرون أن البورصة مرشحة لصعود يصل إلى 22% في 2026، مدعومة بتحسن أرباح الشركات في قطاعات العقارات والأغذية والصناعات التحويلية.

ولكن الثقة ليست كاملة، فالمستثمرون الأجانب والعرب يبيعون بسرعة مع أي خبر سلبي، بينما يشتري المصريون "عند الانخفاض".

هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، قال إن بعض الأسهم حققت 400% في 2025 بفضل نتائج أعمال حقيقية، لا مضاربات، ولذا، أصبحت البورصة خياراً لمن يتحمل المخاطر، خاصة مع خفض الفائدة الذي يجعل الودائع أقل جاذبية.

العقارات من النجم إلى الخيار الثانوي

وكان العقار يستحوذ على نصيب الأسد قبل الحروب، لكن الوضع تغير. مشاريع كبرى مثل رأس الحكمة (35 مليار دولار) ما زالت تجذب الاستثمارات الخليجية، لكن المواطن العادي يتردد.

والأسعار مستقرة نسبياً، لكن السيولة منخفضة والتمويل العقاري غير مشجع بسبب الفائدة المرتفعة نسبياً، وخبراء مثل محمد راشد يتوقعون عوائد 5-15% في 2026، لكنها أقل من الذهب أو البورصة، والعقار أصبح خياراً طويل الأجل للحفاظ على الثروة، لا للربح السريع.

الودائع البنكية تتراجع جاذبيتها بعد خفض الفائدة

وخفض البنك المركزي الفائدة 7.25% خلال 2025، واستمر في 2026، مما جعل الشهادات والودائع أقل جاذبية، ومن كان يعتمد على عائد شهري ثابت أصبح يبحث عن بدائل.

ومع ذلك، ما زالت الودائع مفضلة لدى أصحاب المعاشات الذين يحتاجون دخلاً منتظماً، لكن الغالبية تحولت إلى الذهب أو مزيج من الأصول.

تنويع المحفظة هو المفتاح

ومع استمرار التوترات الإقليمية، يتوقع الخبراء أن يظل الذهب في الصدارة، تليه البورصة للجريئين، والعقار للمدى الطويل، والاستثمار الأجنبي المباشر (من الخليج خاصة) يدعم الاقتصاد، لكن المواطن العادي يعتمد على نفسه. 
وفيتش سوليوشنز تتوقع نمواً اقتصادياً أفضل في 2026 مدعوماً بالاستثمارات والصادرات، لكن الحروب تبقي المخاطر مرتفعة.

ولم تعد تفضيلات المصريين الاستثمارية مجرد "بحث عن ربح"، بل "بحث عن بقاء"، والذهب أصبح الملاذ، والبورصة فرصة، والعقار ضمانة.

والدرس الأكبر "في زمن الحروب التنويع ليس رفاهية، بل ضرورة"، والمصريون تعلموا ذلك بالطريقة الصعبة، وهم اليوم يطبقونه بحذر وذكاء.  

تم نسخ الرابط