الرئيس السيسي يطلق ملامح اقتصاد ما بعد صندوق النقد.. ماذا ينتظر المصريين؟
مع اقتراب برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي من محطته الأخيرة، تدخل الدولة المصرية مرحلة مختلفة تبدو أكثر حساسية من السنوات الماضية، فبعد سنوات من تنفيذ إصلاحات مالية ونقدية صعبة، لم يعد السؤال المطروح داخل الأوساط الاقتصادية هو: ماذا سيطلب صندوق النقد في المراجعة المقبلة؟ بل أصبح: كيف ستدير مصر اقتصادها بعد انتهاء البرنامج؟.
وجاءت الإجابة الأولى من أعلى مستوى في الدولة، بعدما أعلن، اليوم الأحد 5 يوليو 2026، عن بدء إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل يقود المرحلة المقبلة، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في الانتقال من مرحلة تنفيذ برنامج دولي إلى صياغة رؤية اقتصادية مصرية تستند إلى ما تحقق من إصلاحات، مع التركيز على النمو والإنتاج والاستثمار.
برنامج وطني جديد.. بداية مرحلة مختلفة
والإعلان عن إعداد برنامج اقتصادي وطني لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل يحمل دلالات اقتصادية مهمة. فالحكومة تسعى إلى بناء مرحلة جديدة يكون عنوانها الرئيسي الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة، مع تقليل الاعتماد على برامج التمويل الخارجية، والانتقال تدريجيًا إلى اقتصاد يقوده الاستثمار والإنتاج والقطاع الخاص.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت مهم، خاصة بعد توصل بعثة صندوق النقد الدولي والسلطات المصرية إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وهو ما يمهد، بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق، لصرف شريحة تمويل جديدة تتجاوز 1.6 مليار دولار، ضمن برنامج التمويل القائم.
ماذا حققت مصر خلال برنامج صندوق النقد؟
ويصعب إنكار أن الاقتصاد المصري شهد تغيرات واسعة منذ بدء تنفيذ البرنامج، فقد تم تحرير سعر الصرف بصورة أكثر مرونة، وتحسنت قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية، كما ارتفعت الاحتياطيات الأجنبية واستمرت الدولة في تنفيذ إصلاحات مالية هدفت إلى زيادة الإيرادات الضريبية وتحقيق فوائض أولية بالموازنة.
وفي أحدث تقييم له، أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على الصمود رغم التوترات الإقليمية والضغوط العالمية، مشيرًا إلى أن نمو الناتج المحلي واصل التحسن، وأن الأداء المالي للحكومة جاء أفضل من المستهدف، مع استمرار الجهود لخفض الدين العام وتعزيز الاستقرار المالي.
ولكن هذه المكاسب لم تأتِ دون تكلفة، إذ تحمل المواطن أعباء ارتفاع الأسعار، وزادت تكلفة المعيشة نتيجة الإصلاحات المرتبطة بالطاقة وسعر الصرف، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مطالبة بتحويل الاستقرار المالي إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين.
الخطوط العريضة لبرنامج "ما بعد صندوق النقد"
ولم يقتصر إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي على الحديث عن انتهاء مرحلة برنامج صندوق النقد الدولي، بل كشف عن ملامح برنامج اقتصادي وطني جديد يقود المرحلة المقبلة، مؤكدًا أن الهدف لم يعد يقتصر على الحفاظ على الاستقرار المالي، وإنما الانتقال إلى اقتصاد أكثر قدرة على النمو والإنتاج وخلق فرص العمل.

ووجه الرئيس الحكومة بإعداد برنامج اقتصادي شامل يستند إلى ما تحقق من إصلاحات خلال السنوات الماضية، مع التركيز على زيادة معدلات النمو، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري، ورفع مساهمة القطاع الخاص، وجذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية، بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة وتحسين مستوى معيشة المواطنين.
وفي إطار هذه الرؤية، شدد الرئيس على ضرورة الإسراع في تنفيذ المرحلة الثالثة من برنامج تخارج الدولة لإفساح المجال أمام القطاع الخاص، إلى جانب تعزيز الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد، وتطوير جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر ليصبح أكثر دعمًا للأنشطة الإنتاجية وريادة الأعمال.
كما وجه بالتوسع في المنافذ والأسواق التي تساهم في استقرار أسعار السلع الأساسية وتخفيف الأعباء عن المواطنين، مع ربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، باعتبار أن بناء اقتصاد قوي في مرحلة ما بعد صندوق النقد لن يعتمد فقط على الإصلاحات المالية، وإنما أيضًا على الاستثمار في الإنسان، وزيادة الإنتاج، وتحسين كفاءة مؤسسات الدولة، وتحويل النمو الاقتصادي إلى مكاسب يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
القطاع الخاص في صدارة الأولويات
وإذا كان برنامج صندوق النقد ركز بدرجة كبيرة على استعادة التوازن المالي، فإن المرحلة الجديدة تبدو أكثر ارتباطًا بخلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار.
وتشير المؤشرات الحكومية إلى أن توسيع دور القطاع الخاص سيكون أحد أهم محاور البرنامج الوطني الجديد، سواء عبر تسريع برنامج الطروحات الحكومية، أو تحسين بيئة الأعمال، أو تقليل الإجراءات البيروقراطية، بما يسمح بجذب استثمارات محلية وأجنبية أكبر.
كما شدد صندوق النقد نفسه على أن استمرار الإصلاحات الهيكلية، وتقليص دور الدولة في بعض الأنشطة الاقتصادية، وتحقيق تكافؤ الفرص بين المستثمرين، تمثل عناصر أساسية لضمان نمو اقتصادي مستدام يقوده القطاع الخاص.
هل تنتهي العلاقة مع صندوق النقد؟
ورغم الحديث عن مرحلة "ما بعد صندوق النقد"، فإن ذلك لا يعني بالضرورة انتهاء التعاون مع المؤسسة الدولية بصورة كاملة.
والعلاقة بين الدول والصندوق لا تقتصر على برامج التمويل، بل تمتد إلى المشاورات الفنية والدعم الفني وتقييم السياسات الاقتصادية، وبالتالي، قد تنتهي المرحلة الحالية من البرنامج، بينما يستمر التعاون في صور أخرى، خاصة إذا احتاجت الحكومة إلى دعم فني أو برامج متخصصة مرتبطة بالإصلاحات أو التغيرات المناخية.
ولكن الفارق الأساسي أن الدولة تسعى لأن تكون قراراتها الاقتصادية في المرحلة المقبلة نابعة من أولوياتها الوطنية، وليس فقط من الالتزامات المرتبطة ببرنامج تمويلي.
التحديات لم تنته بعد
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن الطريق أمام الاقتصاد المصري لا يزال مليئًا بالتحديات، فالسيطرة على معدلات التضخم تظل أولوية رئيسية، إلى جانب خفض تكلفة الدين، وزيادة الصادرات، وتحسين الإيرادات الدولارية المستدامة من السياحة والصناعة وقناة السويس، بالإضافة إلى جذب استثمارات أجنبية مباشرة بدلاً من الاعتماد على التدفقات المالية قصيرة الأجل.
كما أن الحفاظ على مرونة سعر الصرف، مع استمرار استقرار سوق النقد الأجنبي، سيظل عنصرًا مهمًا في تعزيز ثقة المستثمرين خلال المرحلة المقبلة.
ماذا ينتظر الاقتصاد المصري بعد انتهاء البرنامج؟
والرهان الحقيقي لن يكون على الحصول على تمويل جديد، وإنما على قدرة الاقتصاد على تمويل نموه بنفسه.
والنجاح في المرحلة المقبلة سيقاس بحجم المصانع الجديدة، وعدد الشركات التي تدخل السوق، وزيادة الصادرات، وخلق فرص العمل، وتحسن مستويات الدخل، وليس فقط بتحقيق مؤشرات مالية إيجابية.
والبرنامج الاقتصادي الوطني المرتقب يمثل اختبارًا مهمًا لقدرة الدولة على البناء فوق ما تحقق خلال سنوات الإصلاح، وتحويل الاستقرار الاقتصادي إلى نمو شامل يشعر به المواطن والمستثمر في الوقت نفسه.
وتقف مصر اليوم عند نقطة تحول اقتصادية مهمة، فبعد سنوات من تنفيذ برنامج إصلاح واسع بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تبدو الدولة مستعدة لفتح صفحة جديدة عنوانها "الاعتماد على برنامج وطني".
وبينما لا تزال تحديات التضخم والدين والاستثمار قائمة، فإن نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على سرعة تنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحويل الاستقرار المالي إلى نمو اقتصادي مستدام ينعكس على حياة المواطنين.
وإذا نجحت الحكومة في تحقيق هذا التوازن، فقد تكون مرحلة ما بعد صندوق النقد بداية لمرحلة أكثر استقرارًا واستقلالية في إدارة الاقتصاد المصري.